فرح ممنوعة من التوظيف

كتبت هدى حبيش: فرح شابة عمرها 28 سنة. هادئة ولبقة إلى أقصى حد. طموحة جداً، وعنيدة. عنادها هو مفتاح نجاحها في تحقيق طموحاتها الكبيرة. ذلك أنها فتاة تواجه معرقلات كثيرة في تطورها المهني والتعليمي. ولولا إصرارها، لم تكن فرح لتنال شهادة بكالوريوس في المحاسبة من جامعة AUST، تلتها 5 سنوات من الخبرة في إحدى الشركات الخاصة في مدينة صيدا. ثم حصولها هذا العام على شهادة ماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة العربية. غير أن المعرقلات التي تواجه فرح في التعلم والعمل منذ سنوات، ليست من إعاقتها الجسدية، بل من تعاطي أرباب العمل والموظّفين معها.
واجهت فرح خلال سنواتها الخمس من العمل في شركة خاصة سلسلة من التعنيف اللفظي والنفسي من رب العمل الذي وظّفها "من أجل الصورة الاجتماعية وبطاقة الشؤون"، وفق فرح. في الشركة، التي لم يكن مسموحاً فيها لفرح حضور التدريبات والاستعانة بساعي المكتب لنقل المعاملات وتصوير الأوراق، كانت فرح تتم وظيفتها على أكمل وجه، "من دون أن أجد لك غلطة تذكر"، كما تنقل فرح عن لسان مديرها.
لكن على ما يبدو، لم يكن إتقان فرح عملها سبباً كافياً لرب العمل ليحترمها ويمنحها حقوقها. فبالإضافة إلى قبولها بأقل أجر في الشركة، رغم شغلها وظيفة متكاملة، كانت تتحمل سخافة مديرها، الذي كان يقلّد مشيتها ساخراً. وقد وصلت وقاحته إلى حد قوله لفرح، من دون خجل أو تردد: "لو صار معك دكتوراه هالموضوع ما بيهمني لإنو إنتي بالآخر معاقة". تركت فرح هذه الوظيفة أخيراً، بعدما نفذ صبرها واقترابها من نيل شهادة الماجستير، ظناً منها أن هذه الشهادة ستفتح لها أبواب وظائف أفضل ومديرين أرقى.
لكن تجربة فرح مع مديرين في شركات عدة في بيروت أثبتت لها العكس. تروي فرح أنها، أخيراً، تواصلت مع 3 شركات تروج لوظائف متاحة لديها. وبعد تأكدها من قدرتها على اتمام المهمات المطلوبة، وأن العمل لا يتطلب حركة جسدية معتبرة، كانت فرح تتقدم بشكل طبيعي إلى هذه الوظائف، فتنال سيرتها الذاتية إعجاب المُوظفين في مرات عديدة. لكن استمرار عملية التقديم للعمل كانت تنقطع في كل مرة، إما عند المقابلة، أي عندما يرون إعاقتها الجسدية، أو عند معرفة الموظف بوجود حاجة خاصة لدى فرح. الأسوأ من عدم نيل الوظيفة، بالنسبة إلى فرح، هو الإهانة التي تعرضت لها في مرات كثيرة أثناء المقابلات التي وصلت إلى حد الصراخ والتجريح الكلامي في إحداها والتهرب الساذج من توظيفها بحجج واهية.
قررت فرح بعد تعرضها المتكرر لهذه المواقف "المُذلّة" أن تسلط الضوء على ما يتعرض له ذوو الاحتياجات الخاصة في لبنان من تعنيف وكراهية بسبب حاجاتهم الخاصة. تعرف فرح أن كثيرين منهم لا يتجرأون على التقدم إلى أي وظيفة رغم حاجتهم إليها، أو إلى رفع الصوت بشأن قضيتهم خوفاً من خسارة وظيفتهم. وهو أمر عايشته فرح طوال السنوات الخمس الماضية.
لكن اليوم "طفح الكيل"، تقول فرح، التي تنوي إكمال دراستها لتنال شهادة الدكتوراه. ورغم اعتبارها أن تعبها من أجل التعلم في لبنان قد يذهب سدى، لكنها تصر على التعلم لحبها المعرفة ونيل الشهادات العليا. "لا أريد من أحد أن يوظفني شفقة منه، بل أن يعطيني الفرصة والأجر الذي أستحقه لقاء جدارتي، وله أن يأخذ المهمات المطلوبة منجزة على أكمل وجه"، تقول فرح.
المصدر: جريدة "المدن"، 28 أيار 2017، بقلم: هدى حبيش